أنواع الأموال الربوية






محتويات الأموال الرّبويّة يعتقد كثيرٌ من النّاس أنّ لا يشمل من الأموال إلا النّقود التي
يتعاملون بها، إلا أنَّ هذا الاعتقاد خاطئٌ؛ حيث تتنوّع الأموال الربويّة بتنوُّع التّعاملات البشريّة بين
الناس، حتّى إنّها ربّما تشمل غالب ما يجري التّعامل فيه بينهم، وقد جاء بيان بعض
أصناف الربويّة في الأحاديث النبويّة الصّحيحة، بعد أن نبَّه القرآن الكريم إلى حُرمَة التّعامل
بالرِّبا. بعد ذلك استنبط علماء الفقه والأصول من أصناف أصنافاً أخرى يجري فيها الرِّبا، ولم
تُذكَر في الأحاديث النبويّة على أنّها من الأموال الربويّة، ويرجع أصل استنباطهم إلى العلّة من
تحريم التّفاضُل في التّعاملات التجاريّة بين تلك الأصناف، فقد طبّق علماء الأصول العِلّة الموجودة في
تلك الأصناف على ما يُشابِهها من الأصناف التي لم تُذكَر في الأحاديث النبويّة على أنّها
من الربويّة، ثمّ أعطوها نفس الحُكم الأصليّ للأصناف الربويّة الواردة في الأحاديث، وفي هذه
المقالة ستُذكَر تلك الأصناف التي أشارت إليها الأحاديث النبويّة، والعلّة في تحريم التّعامُل بها ماليّاً
أو تجاريّاً. تعريف الرِّبا لُغةً: مصدرها رَبَوَ ورَبا، ورَبا الشّيءُ يَرْبُو رُبُوّاً ورِباءً؛ أي: زَادَ
وَنَمَا، وأَرْبَيْتُه: نَمَّيتُه. الرِّبا اصطِلاحاً: للرّبا في الاصطلاح عدّةُ تعريفاتٍ، منها: تعريف الحنفيّة : الفضل الخالي عن
العِوَض المَشروط في البيع. تعريف الشافعيّة : اسمٌ لمُقابلة عِوَضٍ بعِوَضٍ مخصوص، غير معلوم التّماثل في
معيار الشّرع حالة العقد، أو تأخُّرٍ في البَدلَين، أو في أحدهما، ويُقصَد بقوله: (مقابلة عِوضٍ
بعوضٍ مخصوص)؛ ما كان القصد من البيع والتّجارة في المعاملات، لا ما كان الهدف منه
الهِبة أو العطيّة التي لا تقوم على أساس مقابلة شيءٍ بشيءٍ، بل تكون قائمةً على
التبرُّع، أمّا (العوض المخصوص) فيُقصَد به: أنواع التي جاء بيانها في نصوص السُّنة النبويّة،
ويُقصَد بقوله (غير معلوم التّماثُل)؛ أنّ الجنس إذا اتّحد بين الربويّات من الأموال فلا يجب
أن يجري التّبادل فيهما، إلا إذا كانا مُتماثلَين من حيث القيمة أو القدر، أمّا إذا
اختلف الجنسان فلا يُشترَط التَّماثل عند المُبادلة، أمّا قوله (أو تأخُّر البَدلَين أو أحدُهما)؛ فلأنّ
الاتّفاق على تأخير أحد البدَلَين يُعدّ من أنواع المنهيّ عنها؛ وهو ربا النّسيئة. أنواع
الأموال الربويّة ذكرت الأحاديث النبويّة الصّحيحة ستّة أصنافٍ رئيسيّة من ، وهي: القمح، والشَّعير، والحنطة، والتّمر،
والملح، والذّهب، والفضّة، ومن الأحاديث النبويّة التي رُوِيت عن المُصطَفى -عليه الصّلاة والسّلام- في ذلك
ما رواه عبادة بن الصّامت -رضي الله عنه- قال: (الذَّهبُ بالذَّهبِ تِبرُها وعينُها، والفضَّةُ بالفضَّةِ
تِبرُها وعينُها، والبُرُّ بالبُرِّ مُديٌ بِمُديٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ مُديٌ بِمُديٍ، والتَّمرُ بالتَّمرِ مُديٌ بِمُديٍ، والملحُ
بالملحِ مُديٌ بِمُديٍ، فمن زادَ أوِ ازدادَ فقد أربى، ولا بأسَ ببيعِ الذَّهبِ بالفضَّةِ والفضَّةُ
أَكثرُهما يداً بيدٍ، وأمَّا النّسيئةُ فلا ولا بأسَ ببيعِ البرِّ بالشَّعيرِ والشَّعيرُ أَكثرُهما يدًا بيدٍ،
وأمَّا نسيئةً فلا)؛ فلا يجوز أن يتمّ التّفاضُل في بيع هذه الأصناف مع بعضها، ويُسمّى
ذلك البيع إن حصل ؛ أي الزّيادة، كما لا يجب بيع هذه الأصناف مقابل بعضها
إلى أَجَلٍ، ويُسمّى ذلك ربا النّسيئة إن حصل؛ أي التّأخير. وقد قاس العلماء الحُرمة الحاصلة في
تفاضُل بيع هذه الأصناف مع بعضها على أطعمةٍ أخرى تشترك معها في العِلّة، فقالوا: إنّ
كلّ ما اشترك في الصِّفة الوظيفيّة التي وُجِد من أجلها، فإنّه يشترك معه في العِلّة؛
فالنّقود الورقيّة تشترك مع الذّهب والفضّة في كون اسمها نَقداً، فيحرُم التّفاضل فيها أو بيعها
لأَجَلٍ مع تأخير أحد العوضَين أو كليهما، وكذلك تشترك الذُّرة مع القمح والشّعير في كونها
مطعوماً أو في كونها تُتَّخَذ للادّخار، ويشترك مع الجميد والزّبيب في الاقتِيات، ويشترك الملح
مع ما يستخدمه النّاس؛ لتحسين أطعِمتهم من المأكولات، فإذا اتّحد الصّنف حَرُم التّفاضُل مُطلقاً في
مثل هذه الأصناف. العِلّة في تحريم الرِّبا اختلف العلماء في ، وقد انقسموا في ذلك إلى رأيَين
رئيسَين؛ فمِن قائلٍ إنّ الرِّبا مُعلَّلٌ ببعض العِلل، وإنّ ما اشتُرِط في العِلّة مع أصناف
الرِّبا إنّما يأخذ حُكمَه، إلى قائلٍ إنّ الرِّبا غير مُعلَّلٍ بعِلّة، ولا يجري الرِّبا إلا
في ما جاء النَّص النبويّ بكونه رِباً، وبيان أقوالهم فيما يأتي: يرى جمهور الفقهاء أنّ العِلّة
في تنحصر في: المَكيلات والمَوزونات: وهي كلّ شيءٍ يمكن وَزنه أو كَيله بالصّاع والمُدّ، ويتبعها
الكيلوغرام في الزّمن الحاضر. المطعومات: هي أيّ شيءٍ قابلٍ لكونه مطعوماً، مثل: ، والملح، وغيرهما. المُدَّخرات: هي
ما يتمّ ادّخاره للمستقبل؛ بقصد استخدامه في القوت اليوميّ، مثل: التّمر، والجميد، والزّبيب، وغير ذلك
ممّا يُدَّخَر في المنازل، وذلك قياساً على أصناف الرِّبا الستّة سابقة الذِّكر.وقد وصل علماء الأصول
إلى هذه العِلّة عن طريق القياس، ثمّ محّصوا تلك العِلّة بعد تدبُّرٍ وتفكُّرٍ وتأمُّل، وإمكانيّة
صلاحيّة تطبيق حُكم الأصل في الستّة على هذه الأصناف الأخرى، فوصلوا إلى أنَّ هذه
العِلّة مناسبةٌ لأن تكون سبباً لتحريم التّفاضُل فيما اتّحد في الجنس بين تلك الأصناف، وعليه
يكون كلّ ما اشترك مع أيِّ صنفٍ من تلك الأصناف الستّة في العِلّة قابلاً لأن
يجري فيه ، ولا يجوز في التّعامل فيه التّفاضُل أو التّأخير إذا اتّحد الجنس.رأى فريقٌ
آخر من علماء الأصول والفقه أنّ هذه العلّة لا تصلح لإثبات على غير هذه
الأصناف الستّة، وأنّ الرِّبا غير مُعلَّل بعِلّة، ومِن أنصار هذا الرّأي ابن حزمٍ الظّاهري، فلا
يجري الرِّبا عند أصحاب هذا القول إلا في الأصناف الستّة التي ذكرها الحديث النبويّ الشّريف
عملاً بالنصّ، وهو قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (الذَّهبُ بالذَّهبِ تِبرُها وعينُها، والفضَّةُ بالفضَّةِ
تِبرُها وعينُها، والبُرُّ بالبُرِّ مُديٌ بِمُديٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ مُديٌ بِمُديٍ، والتَّمرُ بالتَّمرِ مُديٌ بِمُديٍ، والملحُ
بالملحِ مُديٌ بِمُديٍ، فمن زادَ أوِ ازدادَ فقد أربى، ولا بأسَ ببيعِ الذَّهبِ بالفضَّةِ والفضَّةُ
أَكثرُهما يدًا بيدٍ، وأمَّا النّسيئةُ فلا ولا بأسَ ببيعِ البرِّ بالشَّعيرِ والشَّعيرُ أَكثرُهما يدًا بيدٍ،
وأمَّا نسيئةً فلا).فكما اعتمد أصحاب القول الأوّل على هذا الحديث لإثبات الحُكم الشرعيّ نفسه ،
أو الطّعم، أو المَكيل، أو الموزون، أو المقتات فيما اشترك مع تلك الأصناف الستّة في
العِلّة، فقد اعتمد نُفاة مسلك السَّبر والتّقسيم على الحديث نفسه؛ لنفي إمكانيّة العمل بتلك العِلّة،
بدليل أنّه لو كان بينهما اشتراكٌ في العِلّة لجرى ذِكر ذلك صراحةً في النّصوص الشرعيّة،
وحيث لم يحدث ذلك فيكون من المتعذّر تطبيق تلك العِلَل على غير تلك الأصناف الستّة. المراجع
ابن منظور، لسان العرب، بيروت: دار صادر، صفحة: 304، جزء: 14. بتصرّف. شمس الدين محمد
بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (1414-1993)، المبسوط، بيروت: دار المعرفة، صفحة 109، جزء 12.
أبو عمر دُبْيَانِ بن محمد الدُّبْيَانِ (1432)، المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (الطبعة 2)، الرياض -
المملكة العربية السعودية: مكتبة الملك فهد الوطنية، صفحة: 13، جزء: 11. بتصرّف. ^ رواه
الألباني، في صحيح أبي داود، عن عبادة بن الصامت، الصفحة أو الرقم: 3349، صحيح. ^
عبد الكريم بن علي بن محمد النملة (1420هـ-1999م)، المهذب في علم أصول الفقه المقارن
(الطبعة الأولى)، الرياض: مكتبة الرشد، صفحة: 2072، جزء: 5. بتصرّف.

المصدر


مواضيع ذات صلة
مقالات مفيده