كيف يُدمّر الأهل علاقتهم بأبنائهم؟



التربية ليست سهلة.. ليست سهلة على الإطلاق، ومهما قرأنا من كتب أو استمعنا إلى متخصصين فإن  كل ما يقولونه يبقى مُجرّد كلام أو حبراً على ورق إذا لم نحاول تطبيقه، وحتى إذا حاولنا فإن معظمنا يملّ ويتوقف عن المحاولة بعد أيام قليلة في غياب أية نتيجة ملحوظة، وهذا الأمر متوقع فأية مهارة جديدة لا تعطي نتيجة في الحال، بل تستلزم الصبر والتكرار.

 

في هذا المقال سأحاول الإبتعاد عن النصائح المتحذلقة التي تقدم وعوداً زائفة تنصّ على أنك إذا فعلت كذا وكذا ستصبح فجأةً أباً مثالياً أو تصبحين أماً مثالية، وسأتطرق في المقابل إلى مدمرات العلاقة المتفق عليها بين خبراء ومتخصصي الإرشاد التربوي، التي ينصحون باجتنابها قدر الإمكان، والتي كلما تراكمت واجتمعت، حوّلت علاقة الوالدين بأبنائهم إلى حربٍ وجحيمٍ لا يُطاق!

الصُراخ

cq5dam.web.1280.1280


هذا لا يعني أنك يجب ألا تصرخ على الإطلاق، فهذا غير معقول وليس من المنتظر حدوثه، كما أن معظمنا لا يضبط نفسه عند الغضب.

المقصود هنا هو محاولة التقليل منه واجتنابه في الحالات التي لا تستدعي بأي حال من الأحوال أن تصرخ، فمثلا: الصراخ فقط بسبب اختلاف مع الابن أو الابنة على موضوع ما، لا يعني بالضرورة أن الوالدة\ الوالدة على حق وأن الطفل على خطأ، وحتى إن صمت على مضض فلأنه يريد تفادي الشجار والمجادلة لا أكثر وليس لأنه اقتنع بالفكرة.

فالصراخ – غالباً – يدلّ على ضعف الثقة بالفكرة أو فقر وسائل إقناع الآخرين بها.

حتى في مجال التواصل، لا يمكن أن يستمرّ الحوار بين طرفين يتحدّث أحدهما بصوت مرتفع والآخر بصوت منخفض، أو في حالة أسوأ، بين طرفين كلاهما يصرخ!

تذكروا أن ارتفاع الصوت لا يخفي العجز، والهدوء لا يعني الضعف على الإطلاق، بل أحياناً يكون أقوى من الغضب نفسه.


اللوم

Couple scolding little daughter

يُمكن تعريف اللوم على أنه تحميل للمسؤولية بعد فوات الأوان.

يُنصَح بشكل جدّي التقليل من هذه العادة السيئة قدر الإمكان وتعويضها بالتحذير والنصح قبل وقوع المشكل بدل التوبيخ والتأنيب دون توقف بعد ارتكاب الخطأ، وذلك لنتائجه السلبية التالية:

اللوم (أقصد هنا اللوم المستمرّ طوال الوقت والتذكير بالخطأ كلما سنحت الفرصة) يعطي للطفل والمراهق على حدٍّ سواء، شعوراً بالرفض وعدم القبول، يؤدي تكراره بشكل مستمر إلى الشعور بالإحباط واحتقار الذات، وأحياناً أخرى تكون النتيجة طفلاً متمرداً على والديه، فقط لأنه يريد أن يثبت أنه ليس ذلك الفاشل الذي يظنون!


النقد

image

كلنا نقول أننا نحب النقد “البناء” الذي يفتح أعيننا على عيوبنا، لكن بمجرّد ما أن يحدث ذلك بالفعل وينبهنا أحد إلى عيبٍ ما، ننزعج ونتضايق حتى وإن أخفينا ذلك وشكرناه بلباقة واعدين أننا “سنعمل على تغييره”.

هذا الأمر طبيعي، فالإنسان بطبعه يميل إلى حب المدح وكره النقد وتعداد عيوبه أو عيوب عمله، وهذا ينطبق على الصغار أيضاً، فالطفل أو المراهق، يرى النقد على أنه عدم تقدير لمجهوده وانتقاص من قدراته.

البديل هنا بكل بساطة هو النصيحة، والفرق بين النقد والنصح كبير جداً على غير ما نظن، فالنقد غالباً ما يكون “باردا” وموضوعياً، بينما النصيحة فهي فَنّ.. فَنّ إهداء العيوب بطريقة ذكية وبكلمات مختارة نخبر الآخر من خلالها أننا نحبه وأننا فقط نسعى لمصلحته ولفت نظره إلى “خطأ بسيط” نُحبّذ لو أخذه بعين الاعتبار، وهذا ما يفترض وجوده في علاقة الآباء والأمهات بأبنائهم.


المقارنة

 shutterstock_36525577

تُعتبر المقارنة من أكبر الأخطاء التي ترتكب كوسيلة عتاب وتأنيب، لكونها تولّد غيرة وكراهية قاتلة تجاه الشخصية التي قُرن الطفل بها، وكردّة فعل، يحاول المراهقون – الأطفال بحدّة أقل – اثبات وجودهم وقوتهم بالعناد والتمرّد مرّة أخرى.

يترتب عن المقارنة إلى جانب ما سبق، تعويد الطفل على مقارنة نفسه بالآخرين وهو أمر غير مقبول، لأن الإنسان بطبعه، إن قارن نفسه بإنسان آخر ووجد عنده امتيازا، تميل نفسه إلى حسده، وانتقاص نفسه وإهانتها، أما إن وجد عند نفسه امتيازاً على غيره مالت نفسه للغرور في الغالب ولم تعد راغبة في التحصيل أكثر.


لذلك، المنصوح به هو مقارنة وضع الطفل الحالي بوضعه السابق، فإن كان أفضل تحمّس للمواصلة والاستمرار، وإن كان أسوأ تنبّه للأمر وحاول استرجاع ما فاته. فما دام قد فعل أمراً في السابق فبإمكانه تكراره وحصد نتائجه مرة أخرى.


السخرية

 imrs-php

هي الوصفة السحرية السريعة التي تُمكننا من تخريج جيل من ذليلي النفس محبطي العزيمة، لأنها بكل بساطة تقتل التقدير الذاتي الذي بدونه لا يكون الإنسان إنساناً، وهي أيضاً وسيلة لإنتاج المتمردين الرافضين لك ولكل من حولهم.

تجدر الإشارة أن الأطفال لا يتأثرون كثيراً بالسخرية، بل وقد يضحكون من ذلك الوصف، لكن الآثار الوخيمة لا تظهر إلا في فترة المراهقة، في الوقت الذي يبدأ المراهق بتشكيل  صورة الراشد عن نفسه مستحضراً كل الصور القديمة التي رسمها له أحد والديه أو كلاهما “بنيّة جيّدة” وبدافع الدعابة لا أكثر.

فقط تذكّر: من الجميل أن تتمتعوا بحس الفكاهة، فقط لا تجعلوا أطفالكم موضوع مزاحكم.


التحكّم

Controlling-Parents-Rex

المقصود هنا إملاء التعليمات على الأبناء بشكل مستمر وحرفي: إفعل كذا، لا تفعل كذا.

الغرض من التربية إنشاء فرد قادر على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار بحرية، وهذا لن يتأتى إلا بالممارسة والتدرّب، لذا فالخطأ سيكون شيءً طبيعياً جداً ومتوقعاً أيضاً.

لذا، بدل التحكّم في الطفل خوفاً عليه من الوقوع في الأخطاء، يُفضّل تعليمه كيف يقرر وتعويده على تحمّل مسؤولية قراراته.

الخلاصة: بدل أن تختار له، علّمه كيف يختار.


التعميم

childlying

أخطر مُعيقات التواصل، ومن أكثر مدمرات العلاقة فتكاً. فالطفل الذي لم ينجز واجباته المدرسية لا يوصف بالمتهاون، والذي أخفى الحقيقة خوفاً من العقاب ليس بالضرورة كاذب.

هذا يعني أن الخطأ الذي يُرتَكب نادراً لا يجب أن يتم إلصاقه بالشخص على أنها صفة تُحدّد معالم شخصيته.

يستحيل خلو أي شخص من جميع الصفات التي سبقت أو “حذفها” بين ليلة وضحاها فنحن بشر، لكن المطلوب هو محاولة التخلّص من بعضها ومحاولة تجنبها قدر الإمكان. أعلم أن الأمر ليس بهذه البساطة لكن كل المهارات والعادات تأتي بالتدرج والممارسة وليس بقانون كن فيكن!


قبل أن أنهي المقال دعنا نتعرف على مختلف أنماط الشخصية وأبرز سمات كل منها في محاولة لتحديد وفهم شخصيات أبنائنا:

personality

الشخصية البصرية

  • تنفس سريع
  • صوت مرتفع نسبياً
  • تستعمل في الغالب مصطلحات بصرية: تصوّر، تخيّل، أنظر
  • تُركّز على الصور
  • تتعامل جيداً مع المكان
  • لا تهتم كثيراً بالأحاسيس
  • ترغب في الوصول للأهداف بسرعة

الشخصية السمعية

  • تنفس هادئ
  • طبقات صوت مختلفة
  • تستعمل في الغالب مصطلحات سمعيّة: اسمعني، قُلّ لي
  • قدرة كبيرة على الإنصات
  • منظمة وتستجيب للطلبات الشفوية
  • لا تهتم بالصور والأحاسيس بقدر ما تهتم بالأصوات
  • تقرر غالباً حسب تحليلها الشخصي للصوت

الشخصية الحسية – الحركية

  • تنفس بطيء
  • صوت منخفض
  • مصطلحات متعلّقة غالبا بالمشاعر: أحس، أشعر
  • تفقد القدرة على التصرف عند اضطراب المشاعر
  • تنفيذية تفضل التعلّم عن طريق اللمس والتفحص

أخيراً، أقف وقفة إجلال وتقدير لوالداي بشكل خاص ولكل الآباء بشكل عام الذين عانوا الأمرين من أجل تربيتنا وتنشئتنا، ثم لأجدادنا الذين، وإن كانت تربيتهم للأجيال السابقة ليست سليمة في رأي العديد من الخبراء الذين يعتبرون أنها كانت سبباً في إنشاء جيل يخاف ولا يعمل إلا تحت المراقبة، إلا أننا يجب أن لا نتنكر لتربيتهم التقليدية، فقد أعطوا وقدموا أفضل ما عندهم في ذلك الوقت.



مواضيع ذات صلة
مقالات مفيده